Tuesday, September 21, 2010

أُصول التوراة: الأصل الثاني كلمة الله

الفصل الأولالأُصول والأُسس التي قام عليها العهد القديم وعلاقة كتبة الأناجيل بها

إن اعتماد كتبة الأناجيل والكنائس المختلفة على العهد القديم، واعتبار أنها امتداد له سواء بالاستشهاد بنصوصه أو بتاريخه، يستوجب علينا وقفة للمقارنة بين الاصول والأُسس التي قام عليها العهد القديم والأصول والأُسس التي قامت عليها الأناجيل لنرى صحة هذا الاعتماد وهذا الامتداد، لندرك حقيقة المصادر الذي اعتمد عليها كتبة الأناجيل، كما يستوجب علينا إظهار حقيقة العلاقة بين العهد القديم وكتبة الأناجيل وموقفهم من شرائعه وأحكامه بشكل عام.
لهذا سأقوم في الصفحات التالية باستعراض أهم الاصول والأسس التي قام عليها العهد القديم ومقارنتها بالأصول والأسس التي قامت عليها الأناجيل وتدعو لها، لنرى إن كانت تتوافق فيما بينها أم تختلف، لنفصل القول إن كانت مصادرهما واحدة أم مختلفة، وبالتالي علينا البحث عن المصدر الذي اعتمد عليه كتبة الأناجيل عند كتابتهم لها.
الأصل أو الأساس الثاني كلمة الرب
كلمة الرب، أو كلام الرب، تعتبر من الأُصول التي قام عليها العهد القديم، وهي من صفات الرب خالق السموات والأرض، وتعني أن الرب يتكلم بكلام ليُظهر ما يريده سواء في الخلق أو الأمر، وقد بين العهد القديم صفاتها ومجالات عملها.
المجال الأول وهو الخلق، فنقرأ أن الرب خلق السموات والأرض وما فيهن من مخلوقات بكلمة منه، كما في النصوص التالية:
بكلمة الرب صُنِعَتِ السموات، وبنسمة فِيهِ كل جنودها،
يجمع كندٍّ أمواه اليم يجعل اللجج في أهراء،
لِيَخش الرب كل الأرض ومنه لِيَخف كل سكان المسكونة،
لأنه قال فكان، هو أمر فصار، الربّ أبطل مؤامرة الأُمم لاشى أفكار الشعوب،
أما مؤامرة الرب فإلى الأبد تثبت أفكار قلبه الى دَوْر فَدَوْر. (مزمور 33: 6-11)
- يُرسل كلمته في الأرض سريعاً جداً يُجري قوله الذي يُعطي الثلج كالصوف،
ويُذرّي الصقيع كالرماد، يُلقي جمده كفتات،
قدّام برده من يقف،
يُرسل كلمته فيُذيبها،
يَهُبُ بريحه فتسيل المياه،
يُخبر يعقوب بكلمته وإسرائيل بفرائضه وأحكامه،
لم يصنع هكذا بإحدى الأُمم،
وأحكامه لم يعرفوها. (مزمور 147: 15-20)
- سبِّحُوا الرب من السموات، سبحوه في الأعالي،
سبحوه يا جميع ملائكته، سبحوه يا كل جنوده،
سبحيه يا أيتها الشمس والقمر، سبحيه يا جميع كواكب النور،
سبحيه يا سماء السموات، ويا أيتها المياه التي فوق السموات،
لتسبح اسم الرب، لأنه أمَرَ فخُلقت،
وثبَّتها الى الدهر والأبد، وضع لها حداً فلن تتعداه. (مزمور 148: 1-6)
كما نقرأ في هذه النصوص فإن السموات والأرض وما فيها من مخلوقات وظواهر طبيعية إنما هي تجسيد لإرادته وتحقيق لكلامه الذي يحدث بمجرد قوله للشيء أن يكون فيكون كما يشاء ولا يتخلف عن أداء وظائفه التي خُلق من أجلها ولا يتعدى حدوده.
المجال الثاني وهو نقض السنن الكونية التي خُلقت بكلماته والتي لا تنقض في حالتها الطبيعية، وذلك لإظهار قدرته وعظمته وتفرّده في السيطرة على جميع المخلوقات، وبالتالي وجوب الخضوع له وحده في العبادة، وهذا يظهر في المعجزات التي ظهرت على أيدي الأنبياء في العهد القديم، وهو ما عبر عنه النص التالي:
أرسل كلمته فشفاهم ونجاهم من تهلكاتهم،
فليحمدوا الرب على رحمته وعجائبه لبني آدم،
وليذبحوا له ذبائح الحمد وليَعُدّوا أعماله بترنم. (مزمور 107: 20-22)
المجال الثالث وهو الأوامر والفرائض والوصايا والنبوءات والأخبار التي كلم بها الناس عن طريق الأنبياء، إما مباشرة كموسى أو بواسطة الروح أو ملاك أو في وحي المنام كما حدث مع باقي الأنبياء، ونحن نقرأها كثيراً في العهد القديم، وخاصة في الأسفار الخمسة الأولى التي يطلق عليها اسم التوراة، كما نقرأ فيه كثيراً أيضاً فقرات تقول تكلم الرب وقال الرب ويقول الرب وأمر الرب، وهنا نجد أن كلام الرب في العهد القديم يتميز بصفات، منها أنه حق وصدق مطلق وثابت وأنه متحقق كما يقوله بكل دقة سواء فيما يتعلق بوحدانيته أو وعوده أو نبوءاته أو تشريعاته.
وفيما يلي سنلقي الضوء على هذه الصفات من نصوص العهد القديم ونقارنها بما هو مكتوب في العهد الجديد.
- يبس العشب ذبل الزهر وأما كلمة إلهنا فتثبت الى الأبد. (إشعياء 40: 8)
في هذا النص نقرأ ان كلام الرب ثابت الى الأبد وأن المخلوقات كلها هي صورة لهذا الثبات والبقاء.
- لأنه كما ينزل المطر والثلج من السماء ولا يرجعان الى هناك بل يرويان الأرض ويجعلانها تلد وتنبت وتعطي زرعاً للزارع وخبزاً للآكل،
هكذا تكون كلمتي التي تخرج من فمي
لا ترجع إليّ فارغة بل تعمل ما سُررتُ به وتنجح في ما أرسلتها له. (إشعياء 55: 10-11)
في هذا النص نقرأ أن كلمة الرب تكون كما يريد الرب وأنها ليست كلمات فارغة، ويربط بينها وبين السنن الكونية مثل المطر والثلج التي تعمل وظائفها كما قدّر الرب لها، ولا تتخلف عن هذه الوظائف على مرّ العصور والأزمان، ولو قارنا هذه الصفات بكلام يسوع في الأناجيل فإننا سنجد أن كلامه لا تنطبق عليه هذه الصفات وسأضرب على هذا بعض الأمثلة.
- فأجاب بطرس حينئذ وقال له ها نحن قد تركنا كل شيء وتبعناك فماذا يكون لنا،
فقال لهم يسوع الحق أقول لكم إنكم أنتم الذين تبعتموني في التجديد متى جلس ابن الإنسان على كرسي مجده تجلسون أنتم أيضاً على اثني عشر كرسياً تدينون أسباط إسرائيل الاثني عشر،
وكل من ترك بيوتاً أو إخوة أو أخوات أو أباً أو أُمّاً أو امرأة أو أولاداً أو حقولاً من أجل اسمي،
يأخذ مئة ضعف ويرث الحياة الأبدية. (متّى 19: 27-29)
وابتدأ بطرس يقول له ها نحن قد تركنا كل شيء وتبعناك،
فأجاب يسوع وقال الحق أقول لكم ليس أحد ترك بيتاً أو إخوة أو أخوات أو أباً أو أُمّاً أو امرأة أو أولاداً أو حقولاً لأجلي ولأجل الإنجيل،
إلا ويأخذ مئة ضعف الآن في هذا الزمان بيوتاً وإخوة وأخوات وأُمهات وأولاداً وحقولاً مع اضطهادات،
وفي الدهر الآتي الحياة الأبدية. (مرقس 10: 28-30)
- فقال بطرس ها نحن قد تركنا كل شيء وتبعناك،
فقال لهم الحق أقول لكم إن ليس أحد ترك بيتاً أو والِدَين أو إخوة أو امرأة أو أولاداً من أجل مملكة الإله، إلا ويأخذ في هذا الزمان أضعافاً كثيرة،
وفي الدهر الآتي الحياة الأبدية. (لوقا 18: 28-30)
هذه بعض كلمات يسوع لتلاميذه كما كتبها متّى ومرقس ولوقا ونجد أن أي شيء منها لم يتحقق، ولهذا فان الكنائس تسعى بكل جهد لنقل هذه الكلمات عن معانيها الظاهرة والواضحة وتقول ان هذه الكلمات ليس المقصود منها وعوداً حقيقية بل يجب حملها على معان أُخرى، أي إن كلمات يسوع هذه لا تعمل ولا تنجح، فأين كلام يسوع من كلام الرب خالق السموات والأرض؟!
- وفي الصباح إذ كانوا مجتازين رأوا التينة قد يبست من الأُصول،
فتذكر بطرس وقال له يا سيدي انظر،
التينة التي لعنتها قد يبست،
 فأجاب يسوع وقال لهم ليكن لكم إيمان بالإله،
لأني الحق أقول لكم إن من قال لهذا الجبل انتقل وانطرح في البحر ولا يشك في قلبه بل يؤمن أن ما يقوله يكون فمهما قال يكون له،
لذاك أقول لكم كل ما تطلبونه حينما تصلون فآمنوا أن تنالوه فيكون لكم. (مرقس 11: 20-24)
في هذا النص كتب مرقس أن يسوع وعد تلاميذه بإعطائهم القدرة على نقل الجبال الى البحر، وهذا الوعد لم يتحقق ولم يعمل ولم ينجح في واقع التلاميذ ولا في من جاء بعدهم، إلا إذا قلنا أن التلاميذ لم يكن أحد منهم مؤمناً! وهذا النص يُظهر الفرق بين كلام الرب وكلام يسوع.
- فقال الرسل للرب زد إيماننا،
فقال الرب لو كان لكم إيمان مثل حبة خردل لكنتم تقولون لهذه الجميزة انقلعي وانغرسي في البحر فتطيعكم. (لوقا 17: 5-6)
في هذا النص يُبين يسوع مقدار الايمان المطلوب ليتحقق ما وعد به تلاميذه وهو مثقال حبة خردل، ومع هذا لم يُوجد أحد خلال عشرين قرناً من التلاميذ والكنائس المختلفة من يستطيع أن يأمر جميزة بأن تنقلع وتنغرس في البحر، وهذا يدل على الفرق بين كلام الرب وكلام يسوع، إلا إذا قالت الكنائس المختلفة أن إيمانهم بيسوع هو أقل من حبة خردل.
- الحق أقول لكم من يؤمن بي فالأعمال التي أنا أعملها يعملها هو أيضاً ويعمل أعظم منها لأني ماض الى أبي،
ومهما سألتم باسمي فذلك أفعله ليتمجد الأب بالابن، إن سألتم شيئاً باسمي فإني أفعله. (يوحنا 14: 12-14)
في هذا النص يكتب يوحنا أن يسوع قال إن تلاميذه سيعملون معجزات مثل معجزاته بل وأعظم منها، وهذا الوعد لم يتحقق وخاصة إحياء الموتى، وهو ما يبين الفرق بين كلام الرب وكلام يسوع.
الحق الحق أقول لكم من يؤمن بي فله حياة أبدية،
 أنا هو خبز الحياة،
آباؤكم أكلوا المنّ في البريّة وماتوا،
هذا هو الخبز النازل من السماء لكي يأكل منه الإنسان ولا يموت،
أنا هو الخبز الحي الذي نزل من السماء،
إن أكل أحد من هذا الخبز يحيا إلى الأبد،
والخبز الذي أنا أُعطي هو جسدي،
الذي أبذله من أجل حياة العالم،
فخاصم اليهود بعضهم بعضاً قائلين كيف يقدر هذا أن يُعطينا جسده لنأكل،
فقال لهم يسوع الحق الحق أقول لكم إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه فليس لكم حياة فيكم،
من يأكل جسدي ويشرب دمي فله حياة أبدية،
وأنا أُقيمه في اليوم الأخير،
لأن جسدي مأكل حقّ ودمي مشرب حقّ،
من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت فيّ وأنا فيه،
كما أرسلني الأب الحيّ وأنا حيٌّ بالأب فمن يأكلني فهو يحيا بي،
هذا هو الخبز الذي نزل من السماء،
ليس كما أكل آباؤكم المنّ وماتوا،
من يأكل هذا الخبز فإنه يحيا إلى الأبد. (يوحنا 6: 47-59)
في هذا النص يكتب يوحنا أن يسوع قال ان من يأكل جسده فإنه سيحيا الى الأبد ولن يموت كما مات بنو إسرائيل الذين أكلوا المنّ في سيناء، وهذا الكلام لم يعمل ولم ينجح في حياة البشر، فعلى الرغم من قيام الكنائس المختلفة بأكل جسده وشرب دمه كل عام عشرات المرات وعلى مدار عشرين قرناً إلا أنهم يموتون كما مات بنو إسرائيل الذين أكلوا المنّ في سيناء، وهذا يبين أيضاً الفرق بين كلام الرب وكلام يسوع.
من هذه الأمثلة وغيرها الكثير نجد أن كلام الرب يختلف عن كلام يسوع من حيث فاعليته وعمله ونجاحه في حياة الناس.
فتّشوا في سِفرِ الرب واقرأوا واحدة من هذه لا تفقد،
لا يُغادر شيء صاحبه،
لأن فمه هو قد أمر،
وروحه هو جمعها،
وهو قد ألقى لها قرعة ويده قسمتها لها بالخيط،
الى الأبد ترثها،
الى دور فدور تسكن فيها. (إشعياء 34: 16-17)
في هذا النص يطلب إشعياء التفتيش في سِفر الرب للبحث عن النبوءات والوعود ويقول انه لم تفقد واحدة منها لأن الرب هو الذي تكلم بها، وهو ما يدل على مكانة كلمة الرب وحقيقتها، وأنها تقع كما قال، وليس كما قرأنا سابقاً عن كلام يسوع!
- مبارك الرب الذي أعطى راحة لشعبه إسرائيل حسب كل ما تكلم به،
ولم تسقط كلمة واحدة من كل كلامه الصالح الذي تكلم به عن يد موسى عبده. (الملوك الاول 8: 56)
هذا النص يقول بأنه لم تسقط كلمة واحدة من كل الكلام الذي تكلم به الرب عن يد موسى عبده، وهنا لن أتحدث كثيراً عن كلام يسوع بل سأكتفي بضرب مثل واحد يُبين الفرق بين كلام الرب وكلامه.
ولكن شعرة من رؤوسكم لا تهلك. (لوقا 21: 18)
في هذا النص يكتب لوقا كلاماً على لسان يسوع عن عدم هلاك أي شعرة من رؤوس تلاميذه، والجميع يعلم أن كل التلاميذ قد هلكوا وهلكت معهم شعور رؤوسهم،  فعدم تحقق كلامه يدل على الفرق بين كلام الرب وكلام يسوع، وبالتالي الفرق بين الرب خالق السموات والأرض ويسوع المولود من امرأة، وهذا الفرق يظهر لنا بكل وضوح في النص التالي:
- لأني أنا الرب أتكلم،
والكلمة التي أتكلم بها تكون، لا تطول بعد،
لأني في أيامكم أيها البيت المتمرد أقول الكلمة وأُجريها يقول السيد الرب. (حزقيال 12: 25)
فالرب عندما يقول كلمته تكون كما قال، لأنه هو الرب خالق السموات والأرض وأما غيره فكلامه يكون خطأ ولا يتحقق في وقت قريب ولا بعيد، وقد ظن بنو إسرائيل في زمن تمردهم وكفرهم أن كلام الرب الذي يقوله للأنبياء لا يتحقق في الوقت الذي حدده، بل يمكن أن يكون المقصود به الحديث عن أزمان بعيدة، كما تقول الكنائس أيضاً عن مجيء يسوع الثاني مع أنه قال أنه سيعود قبل موت جميع التلاميذ كما في النصوص التالية:
- الحق أقول لكم إن من القيام ههنا قوماً لا يذوقون الموت حتى يروا ابن الإنسان آتياً في مملكته. (متّى 16: 28)
- وقال لهم الحق أقول لكم إن من القيام ههنا قوماً لا يذوقون الموت حتى يروا مملكة الإله قد أتت بقوة. (مرقس 9: 1)
- حقاً أقول لكم إن من القيام ههنا قوماً لا يذوقون الموت حتى يروا مملكة الإله. (لوقا 9: 27)
- ومتى طردوكم في هذه المدينة فاهربوا الى الأُخرى،
فإني الحق أقول لكم لا تكملون مدن إسرائيل حتى يأتي ابن الإنسان. (متّى 10: 23)
ومع هذه الكلمات فقد مات جميع التلاميذ ولم يأت، مما اضطر الكنيسة للقول إن هذه الكلمات لأزمان طويلة وليس كما كتب متّى ومرقس ولوقا على لسان يسوع في النصوص السابقة، وهو يشبه قول اليهود عن كلام الرب، ولكن الرب لم يرض بهذا القول من اليهود عن كلامه فبين لهم أن كلامه لا يطول وقت تحققه عن موعده الذي حدده له كما في النص التالي:
- وكان إليّ كلام الرب قائلاً يا ابن آدم هو ذا بيت إسرائيل قائلون الرؤيا التي هو رائيها هي إلى أيام كثيرة وهو متنبئ لأزمنة بعيدة،
لذلك قل لهم هكذا قال السيد الرب لا يطول بعد شيء من كلامي،
الكلمة التي تكلمت بها تكون يقول السيد الرب. (حزقيال 12: 26-28)
فكلام الرب يكون كما قال وفي الوقت المحدد، في حين نقرأ في الأناجيل عن يسوع قوله أنه سيعود قبل موت الجيل الذي كان يعيش فيه ومع هذا فلم يأت، ومات ذلك الجيل وبعده عشرات الأجيال، وما زالت الكنائس تقول إن كلامه كان يقصد به إلى أيام كثيرة ولأزمنة بعيدة!
وللتأكيد على أن كلام الرب يتحقق كما قال نقرأ في العهد القديم عشرات النصوص تتحدث عن هذا الموضوع، وفيما يلي بعض منها:
لم تسقط كلمة من جميع الكلام الصالح الذي كلم به الرب بيت إسرائيل، بل الكل صار. (يشوع 21: 45)
- فقال لها ألقانة رَجُلها اعملي ما يحسُن في عينيك امكثي حتى تفطميه إنما الرب يقيم كلامه. (صموئيل الاول 1: 23)
- وكبر صموئيل وكان الرب معه،
ولم يدع شيئاً من جميع كلامه يسقط الى الأرض. (صموئيل الاول 3: 19)
وكان من نتائج هذه الصفات لكلام الرب هو تحذير الأنبياء لبني إسرائيل من مخالفة كلام الرب كما في النص التالي:
- وها أنا اليوم ذاهب في طريق الأرض كلها، وتعلمون بكل قلوبكم وكل أنفسكم أنه لم تسقط كلمة واحدة من جميع الكلام الصالح الذي تكلم به الرب عنكم،
الكل صار لكم لم تسقط منه كلمة واحدة،
ويكون كما أنه أتى عليكم كل الكلام الصالح الذي تكلم به الرب إلهكم عنكم،
كذلك يجلب عليكم الرب كل الكلام الرديء حتى يُبيدكم عن هذه الأرض الصالحة التي أعطاكم الرب إلهكم، حينما تتعدّون عهد الرب إلهكم الذي أمركم به وتسيرون وتعبدون آلهة أُخرى وتسجدون لها يحمى غضب الرب عليكم فتبيدون سريعاً عن الأرض الصالحة التي أعطاكم. (يشوع 23: 14-16)
فيشوع في هذا النص يؤكد على أمرين، الأول أن كلام الرب لبني إسرائيل حدث كما قال ولم يسقط منه شيئاً، والثاني تحذيرهم من مخالفة كلام الرب وخصوصاً عبادة آلهة أُخرى معه، وهذان الأمران لم يلتزم بهما كتبة الأناجيل والكنائس المختلفة، فلم يتحقق كلام يسوع كما قال، وكذلك لم يلتزموا بكلام الرب سواء بعدم عبادة أحد معه أو بالالتزام بوصاياه في التوراة، فالأناجيل تتحدث عن ثلاث آلهة تعبدها من دون الرب، وكذلك قاموا بنقض عشرات الوصايا.
كما نلاحظ في العهد القديم ترابطاً كبيراً بين كلام الرب ووحدانيته وشرائعه كما في النصوص التالية:
- إنك قد أُريت لتعلم أن الرب هو الإله ليس آخر سواه،
من السماء أسمعك صوته لينذرك،
وعلى الأرض أراك ناره العظيمة،
وسمعت كلامه من وسط النار،
ولأجل أنه أحب آباءك واختار نسلهم من بعدهم أخرجك بحضرته بقوته العظيمة من مصر،
لكي يطرد من أمامك شعوباً أكبر وأعظم منك ويأتي بك ويُعطيك أرضهم نصيباً كما في هذا اليوم،
فاعلم اليوم وردد في قلبك أن الرب هو الإله في السماء من فوق وعلى الأرض من أسفل ليس سواه،
واحفظ فرائضه ووصاياه التي أُوصيك بها اليوم لكي يحسن إليك والى أولادك من بعدك، ولكي تطيل أيامك على الأرض التي الرب إلهك يُعطيك الى الأبد. (تثنية 4: 35-40)
في هذا النص نقرأ كلام الرب عن ذاته، فيقول إن الرب هو الإله وليس آخر، وليس سواه إله، فكلام الرب يُصرّح بأن الرب هو الإله الواحد الحق وليس سواه إله، في حين أن كتبة الأناجيل والكنائس يقولون إن الآلهة ثلاث وهذا يشير الى مخالفتهم لكلام الرب في العهد القديم.
- فكلمكم الرب من وسط النار وأنتم سامعون صوت كلام،
ولكن لم تروا صورة بل صوتاً، وأخبركم بعهده الذي أمركم أن تعملوا به الكلمات العشر وكتبه على لوحي حجر،
وإياي أمر الربّ في ذلك الوقت أن أُعلمكم فرائض وأحكاماً لكي تعملوها في الأرض التي أنتم عابرون إليها لتمتلكوها،
فاحتفظوا جداً لأنفسكم، فإنكم لم تروا صورة ما يوم كلمكم الرب في حوريب من وسط النار،
لئلا تفسدوا وتعملوا لأنفسكم تمثالاً منحوتاً صورة مثال مّا شبه ذكر أو انثى،
شبه بهيمة مّا مما على الأرض،
شبه طير مّا ذي جناح ممّا يطير في السماء،
شبه دبيب مّا على الأرض،
شبه سمك مّا ممّا في الماء من تحت الأرض. (تثنية 4: 12-18)
في هذا النص يقول الرب أنه عندما كلم بني إسرائيل في سيناء سمعوا صوته ولكنهم لم يروا صورة، ولهذا حذرهم من عمل تماثيل أو صور والقول للناس أنها تشبه الرب، وهذه الكلمات لم تلتزم بها الأناجيل والكنائس المختلفة، فتقول الأناجيل ان الرب يُشبه الإنسان، الذي رآني فقد رأى الأب، (يوحنا 14: 9)، والذي يراني يرى الذي أرسلني (يوحنا 12: 45)، ومن ثم قامت الكنائس بعمل التماثيل والصور التي نهى الرب عن عملها.
ثم تكلم الإله بجميع هذه الكلمات قائلاً،
أنا الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية،
لا يكن لك آلهة أُخرى أمامي،
لا تصنع لك تمثالاً منحوتاً ولا صورة مّا ممّا في السماء من فوق وما في الأرض من تحت وما في الماء من تحت الأرض،
لا تسجد لهن ولا تعبدهن،
لأني أنا الرب إلهك إله غيور،
أفتقد ذنوب الآباء في الأبناء في الجيل الثالث والرابع من مبغضيّ. (خروج 20: 1-5)
في هذا النص نقرأ أن الرب يُحذر بكلام واضح من اتخاذ آلهة معه وعمل التماثيل والصور لعبادتها والسجود لها، ومع هذا فكتبة الأناجيل والكنائس يعبدون ثلاث آلهة وصنعوا التماثيل والصور وقاموا بعبادتها والسجود والتبخير لها!
- فالآن يا إسرائيل اسمع الفرائض والأحكام التي أنا أُعلمكم لتعملوها لكي تحيوا وتدخلوا وتمتلكوا الأرض التي الرب إله آبائكم يُعطيكم،
لا تزيدوا على الكلام الذي أنا أُوصيكم به ولا تنقصوا منه لكي تحفظوا وصايا الرب إلهكم، التي أنا أُوصيكم بها. (تثنية 4: 1-2)
في هذا النص يأمر الرب بالالتزام بوصاياه وأحكامه، ومن أهمها عبادته وحده وعدم عبادة غيره معه أو عمل تماثيل وصور، ويطلب من بني إسرائيل عدم الزيادة على الوصايا أو الإنقاص منها، في حين أن الأناجيل والكنائس المختلفة قد زادت وأنقصت من وصايا الرب وكلامه، وهذا يبين الفرق بين كلام الرب والأناجيل.
- وأما أنت فقف هنا معي فأُكلمك بجميع الوصايا والفرائض والأحكام التي تُعَلّمهم فيعملونها في الأرض التي أنا أُعطيهم ليمتلكوها،
فاحترزوا لتعملوا كما أمركم الرب إلهكم،
لا تزيغوا يميناً ولا يساراً،
في جميع الطريق التي أوصاكم بها الرب إلهكم تسلكون لكي تحيوا ويكون لكم خير وتطيلوا الأيام في الأرض التي تمتلكونها. (تثنية 5: 31-33)
وهنا أيضاً يتكرر التحذير من مخالفة أوامر الرب وخاصة عبادة آلهة معه أو من دونه، وهذا ينقض ما تأمر به الأناجيل والكنائس أتباعها الطيبين من عبادة آلهة أُخرى مع الرب، ومخالفة الكثير من أوامره ووصاياه.
ملعون من لا يُقيم كلمات هذا الناموس ليعمل بها، ويقول جميع الشعب آمين. (تثنية 27: 26)
في هذا النص يقول الرب ملعون من لا يُقيم كلماته التي من أهمها عبادته وحده وعدم عبادة أحد غيره أو معه أو صناعة تماثيل وصور وعبادتها والسجود لها.
ومن صفات كلمة الرب أنها سهلة وليست عسرة الفهم والتطبيق، كما في النص التالي:
إن هذه الوصية التي أُوصيك بها اليوم ليست عَسِرة عليك ولا بعيدة منك،
ليست هي في السماء حتى تقول من يصعد لأجلنا الى السماء ويأخذها لنا ويُسمعنا إيّاها لنعمل بها،
ولا هي في عَبْرِ البحر حتى تقول من يعبر لأجلنا البحر ويأخذها لنا ويُسمِعُنا إيِّاها لنعمل بها،
بل الكلمة قريبة منك جداً في فمك وفي قلبك لتعمل بها. (تثنية 30: 11-14)
ولهذا كان أنبياء وملوك بني إسرائيل المؤمنون يلتزمون بكل وصايا الرب وكلامه كما في النصوص التالية:
- فكلم ملاك الرب جاد أن يقول لداوُد أن يصعد داوُد ليُقيم مذبحاً للرب في بيدر أُرنان اليبوسي،
فصعد داوُد حسب كلام جاد الذي تكلم به باسم الرب،
فالتفت أُرنان فرأى الملاك وبنوه الأربعة معه اختبأوا وكان أُرنان يدرس حنطة. (الأيام الاول 21: 18-20)
في هذا النص نقرأ أن داوُد التزم بكلام الرب واشترى البَيْدَر الذي سيبني عليه المذبح لعبادة الرب.
- وكان كلام الرب الى شمعيا رجل الإله قائلاً، كلم رحبعام بن سليمان ملك يهوذا وكل إسرائيل في يهوذا وبنيامين قائلاً، هكذا قال الرب لا تصعدوا ولا تحاربوا إخوتكم، ارجعوا كل واحد الى بيته لأنه من قبلي صار هذا الأمر، فسمعوا لكلام الرب ورجعوا عن الذهاب ضد يربعام. (الأيام الثاني 11: 2-4)
في هذا النص نقرأ أن رحبعام بن سليمان ومعه سبطي يهوذا وبنيامين قد سمعوا لأمر الرب بعدم محاربة إخوتهم وعادوا الى ديارهم كما أمر الرب.
ولكن هذه الحالة لم تكن دائمة في تاريخ بني إسرائيل فنقرأ أن بني إسرائيل كانوا في بعض الفترات يحاولون تجاوز كلام الرب إلا أنهم كانوا يتراجعون نتيجة لسماعهم تهديد الرب لهم عن طريق بعض الأنبياء كما في النص التالي:
- فجاء شمعيا النبي الى رحبعام ورؤساء يهوذا الذين اجتمعوا من وجه شيشق وقال لهم
هكذا قال الرب أنتم تركتموني وأنا أيضاً تركتكم ليد شيشق،
فتذلل رؤساء إسرائيل والملك وقالوا بارٌّ هو الرب،
فلما رأى الرب أنهم تذللوا كان كلام الرب الى شمعيا قائلاً قد تذللوا فلا أُهلكهم بل أُعطيهم قليلاً من النجاة ولا ينصبُّ غضبي على أُورشليم بيد شيشق، لكنهم يكونون له عبيداً ويعلمون خدمتي وخدمة ممالك الأرضي. (الأيام الثاني 12: 5-8)
وفي أحيان كثيرة كان بنو إسرائيل لا يلتزمون بكلام الرب ووصاياه فكانت العقوبات واللعنات التي وعدهم بها الرب تحلّ عليهم، حتى أسلمهم في النهاية الى السبي، والعهد القديم مليء بالنصوص التي تتحدث عن هذا الأمر، وسأكتفي بذكر نص واحد في هذا المقام يلخص حقيقة كلام الرب وصدقه وهو كما يلي:
- فاعلموا الآن أنه لا يسقط من كلام الرب الى الأرض الذي تكلم به الربّ على بيت أخآب، وقد فعل الرب ما تكلم به عن يد عبده إيليا. (الملوك الثاني 10: 10)
في هذا النص نقرأ أن كلام الرب صادق وكل ما وعد به من عقوبات قد تحقق بكل دقة وفي الزمان المحدد له على بيت أخآب وهو من ملوك بني إسرائيل غير المؤمنين.
وهذه الصفات لكلام الرب نابعة من كونه كلام الرب خالق السموات والأرض، فهو ليس كلام بشر حتى يكون هناك مجالاً لعدم صدقه وعدم تحققه، وهو ما عبر عنه النص التالي بشكل واضح:
ليس الإله إنساناً فيكذب ولا ابن إنسان فيندم،
هل يقول ولا يفعل،
أو يتكلم ولا يفي. (عدد 23: 19)
فالرب ليس إنساناً ولا ابن إنسان، لهذا فهو لا يكذب ولا يندم ولا يقول قولاً ولا يفعله أو يَعِد وعداً ولا ينفذه، وهذه الحقائق لو قارناها بصفات يسوع وأقواله ووعوده كما ذكرها كتبة الأناجيل فإننا سنجد أنها غير متحققة، لا بل إننا نجد أن كل كلمة في هذا النص القصير تنقض كل ما تقوله الأناجيل وقوانين إيمان الكنائس عن يسوع، فالنص يقول إن الرب ليس إنساناً ولا ابن إنسان والأناجيل تقول إن يسوع إنسان وابن إنسان، فالإنسان وابن الإنسان كيف يصبح إلهاً، ومتى كان الإنسان وابن الإنسان إلهاً يُعبد من دون الرب؟!
- ولكنكم الآن تطلبون أن تقتلوني وأنا إنسان قد كلمكم بالحق الذي سمعه من الإله هذا لم يعمله إبراهيم. (يوحنا 8: 40)
وأما ابن الإنسان فهو لقب يسوع وهو مذكور أكثر من ثمانين مرة في الأناجيل.
وأما عدم الكذب والندم، فهذان الأمران نجد نقيضهما فيما كتبته الأناجيل عن يسوع، كما في النص التالي:
- ونحو الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم قائلاً ايلي ايلي لما شبقتني، أي إلهي إلهي لماذا تركتني. (متّى 27: 46)
في هذا النص نقرأ أن يسوع نَدِمَ على قبوله الصلب، هذا طبعاً بحسب قول كتبة الأناجيل والكنائس أن يسوع جاء ليُصلب كي يرفع خطيئة آدم وذريته ويُصالحهم مع الآلهة الثلاث.
وأما بالنسبة لقول شيء وعدم تنفيذه، أو الوعد بشيء وعدم إعطائه، فقد قرأنا سابقاً وعوده للتلاميذ بإعطائهم مائة ضعف مقابل أي شيء يتركونه من أجله، والأناجيل كتبت أن بطرس ترك سفينته من أجل يسوع ومع هذا لم يأخذ بطرس مائة سفينة ولا حتى سفينة واحدة بل عاش حياته فقيراً وكان يعمل بيديه كي يُعيل نفسه.
وللتأكيد على أن كلام الرب يتحقق كما قال الربّ وفي الزمن المحدد له، نقرأ بعض نصوص العهد القديم.
- وافتقد الربّ سارة كما قال، وفعل الرب لسارة كما تكلم، فحبلت سارة وولدت لإبراهيم ابناً في شيخوخته، في الوقت الذي تكلم الإله عنه. (تكوين 21: 1-2)
هذا النص جزء من قصة وعد الرب لسارة بأنها ستلد إسحاق خلال عام وهو ما حدث كما قال الرب وفي الوقت الذي حدده الرب.
- ورأى حلماً وإذا سُلمٌ منصوبة على الأرض ورأسها يَمَسُّ السماء وهوذا ملائكة الإله صاعدة ونازلة عليها، وهوذا الربّ واقف عليها فقال أنا الربّ إله إبراهيم أبيك وإله اسحاق، الأرض التي أنت مضطجع عليها أُعطيها لك ولنسلك،
ويكون نسلك كتراب الأرض وتمتد غرباً وشرقاً وشمالاً وجنوباً، ويتبارك فيك وفي نسلك جميع قبائل الأرض،
وها أنا معك وأحفظك حيثما تذهب وأردّك الى هذه الأرض، لأني لا أتركك حتى أفعل ما كلمتك به. (تكوين 28: 13-15)
في هذا النص نقرأ وعد الرب ليعقوب بإعطائه ونسله الأرض المقدسة وهو ما حدث كما وعد الرب وتحقق كلامه.
فكلم الإله إسرائيل في رؤى الليل وقال يعقوب يعقوب، فقال هاأنذا،
فقال أنا الإله إله أبيك، لا تخف من النزول الى مصر لأني أجعلك أُمّة عظيمة هناك،
أنا أنزل معك الى مصر، وأنا أُصعدك أيضاً ويضع يوسف يده على عينيك. (تكوين 46: 2-4)
وهنا أيضاً يتحقق كلام الرب كما قال ونزل بنو إسرائيل الى مصر وأخرجهم منها.
- فكلم الرب موسى قائلاً، سمعتُ تذمّر بني إسرائيل، كلمهم قائلاً في العشية تأكلون لحماً وفي الصباح تشبعون خبزاً،
وتعلمون أني أنا الرب إلهكم. (خروج 16: 11-12)
في هذا النص نقرأ أن الرب كلم موسى بأن بني إسرائيل سيأكلون لحماً وخبزاً وهو ما حدث كما قال الرب.
- وتكلم الرب عن يد عبيده قائلاً، من أجل أن منسَّى ملِك يهوذا قد عمل هذه الأرجاس وأساء أكثر من جميع الذي عمله الأموريون الذين قبله وجعل أيضاً يهوذا يُخطئ بأصنامه،
لذلك هكذا قال الرب إله إسرائيل هاأنذا جالبٌ شراً على أُورشليم ويهوذا حتى أن كل من يسمع به تطنّ أُذناه. (الملوك الثاني 21: 10-12)
في هذا النص نقرأ أن كلام الرب قد تحقق كما قال، فالرب حذر بني إسرائيل من الكفر وعمل الرجس وأنهم إن فعلوا ذلك فإن العقوبة ستلحق بهم، وعندما عمل بنو إسرائيل هذه الخطايا حقق الرب كلامه فيهم، وكان في نهاية الأمر أن أسلمهم للسبي على أيدي الأشوريين والبابليين كما هو مكتوب في العهد القديم.
وأخيراً فان من أغرب ما يُلاحظ في الأناجيل هو خلوها من أي كلمة للرب قالها مباشرة، باستثناء جملتين نُسِبتا الى صوتٍ جاء من السماء ولم يُحَدَّد من قالهما مباشرة، ولست أدري ان كان من المنطقي نسبتهما للرب وخاصة أنهما تخالفان الأصل الذي قام عليه كلام الرب في العهد القديم وهو وحدانية الرب، وهاتان الجملتان مذكورتان في ثلاثة مواضع، مرة وقت تعميد يسوع والثانية في قصة التجلي عند صعود يسوع على جبل ولقائه بموسى وإيليا، والأخيرة قبل الصلب بوقت قصير وسيأتي الحديث عنهما فيما بعد، وهما كما يلي:
- وفي تلك الأيام جاء يسوع من ناصرة الجليل،
 واعتمد من يوحنا في الأردن،
وللوقت وهو صاعد من الماء رأى السماء قد انشقت والروح مثل حمامة نازلاً عليه،
وكان صوت من السماء أنت ابني الحبيب الذي به سُررت. (مرقس 1: 9-11) و(متّى 3: 16-17) و(لوقا 3: 21-22)
- وكانت سحابة تظللهم فجاء صوت من السحابة قائلاً هذا هو ابني الحبيب له اسمعوا له اسمعوا. (مرقس 9: 7) و(متّى 17: 5) و(لوقا 9: 35)
- الآن نفسي قد اضطربت وماذا أقول،
أيها الأب نجّني من هذه الساعة ولكن لأجل هذا أتيت الى هذه الساعة،
أيها الأب مجّد اسمك،
فجاء صوت من السماء مجّدتُ وأُمجّدُ أيضاً،
فالجمع الذي كان واقفاً وسمع قال قد حدث رعد،
وآخرون قالوا قد كلمه ملاك،
أجاب يسوع وقال ليس من أجلي صار هذا الصوت بل من أجلكم. (يوحنا 12: 27-30)
من هذا كله نخرج بنتيجة وهي أن كلام الرب لا يشبه كلام يسوع ولا الأناجيل في شيء، وهذا يُشير الى اختلاف مصادر الأناجيل عن مصدر العهد القديم، وهو ما يستدعي منا البحث عن تلك المصادر.

أُصول التوراة: الأصل الثالث الروح

الفصل الأولالأُصول والأُسس التي قام عليها العهد القديم وعلاقة كتبة الأناجيل بها

إن اعتماد كتبة الأناجيل والكنائس المختلفة على العهد القديم، واعتبار أنها امتداد له سواء بالاستشهاد بنصوصه أو بتاريخه، يستوجب علينا وقفة للمقارنة بين الاصول والأُسس التي قام عليها العهد القديم والأصول والأُسس التي قامت عليها الأناجيل لنرى صحة هذا الاعتماد وهذا الامتداد، لندرك حقيقة المصادر الذي اعتمد عليها كتبة الأناجيل، كما يستوجب علينا إظهار حقيقة العلاقة بين العهد القديم وكتبة الأناجيل وموقفهم من شرائعه وأحكامه بشكل عام.
لهذا سأقوم في الصفحات التالية باستعراض أهم الاصول والأسس التي قام عليها العهد القديم ومقارنتها بالأصول والأسس التي قامت عليها الأناجيل وتدعو لها، لنرى إن كانت تتوافق فيما بينها أم تختلف، لنفصل القول إن كانت مصادرهما واحدة أم مختلفة، وبالتالي علينا البحث عن المصدر الذي اعتمد عليه كتبة الأناجيل عند كتابتهم لها.
الأصل أو الأساس الثالث الروح
الروح أو روح الإله أو الروح المقدس من الأُصول المهمة في العهد القديم، ويُطلق على المخلوق الذي ينقل كلام الرب ووحيه وشرائعه للأنبياء، كما أن له بعض الوظائف الأُخرى التي ذكرها العهد القديم، فهو بهذه الصفات يختلف عن الروح المقدس الذي تعبده الكنائس باعتباره الإله الثالث من الآلهة الثلاث الذين هم واحد ومن نفس الجوهر، مع علمنا أن العهد القديم قائم على أساس أن الرب وحده هو الإله الحق الذي تجب عبادته والخضوع له، كما أن الأناجيل لم تتحدث عنه باعتباره إلهاً تجب عبادته من دون الرب، وإنما تم استحداث هذه المسألة بعد ذلك بعدة قرون في المجامع الكنسية! وفي الصفحات التالية سنطلع على صفات الروح في العهد القديم وعلاقته بالناس ونقارنها بما هو مذكور عن الروح المقدس في الأناجيل ورسائل العهد الجديد.
- وكانت الأرض خربة وخالية وعلى وجه الغمر ظلمة وروح الإله يَرِفُّ على وجه المياه. (تكوين 1: 1)
هذا هو النص الأول في العهد القديم الذي يتحدث عن روح الإله، وهو يُشير الى أن روح الإله عبارة عن مخلوق له قدرة على الرّفّ، وهذا يدل على أحد أمرين، إما أن له أجنحة وأنه يستطيع أن يطير بها، أو أن روح الإله ان لم يكن له أجنحة فان لديه القدرة على هزّ جسده بحيث يظهر لمن يراه كأنه يرفّ! وهذه الصفة بالتأكيد لا تجعل منه إلهاً يُعبد من دون الرب.
- تحجب وجهك فترتاع تنزع أرواحها فتموت والى ترابها تعود، تُرسل روحك فتُخلق وتُجدِّد وجه الأرض. (مزمور 104: 29-30)
في هذا النص نقرأ أن الرب إذا نزع الروح من مخلوق حيّ فإنه يموت، وإذا وضعها في شيء فإنه تُبعث فيه الحياة، فالروح بهذه الوظيفة يمثل الجزء الحيوي في المخلوقات الذي يتم من خلاله تحول الجمادات الى مخلوقات حيّة بأمر من الرب وحده، وهو هنا لا دخل له في عملية الخلق من حيث الاستقلال عن أوامر الرب، بل هو يقوم بوظيفة أُنيطت به كغيره من المخلوقات التي لها وظائف خاصة بها، كالمطر الذي من وظائفه إنماء الزرع كما في النص التالي:
- لأني أسكب ماء على العطشان وسيولاً على اليابسة،
أسكب روحي على نسلك وبركتي على ذريتك، فينبتون بين العشب مثل الصفصاف على مجاري المياه. (إشعياء 44: 3-4)
فالروح لا يحمل صفات إلهية ذاتية بل هو يقوم بوظيفته بأمر من الرب الإله الحق خالق السموات والأرض وحده.
- فقال فرعون لعبيده هل نجد مثل هذا رجلاً فيه روح الإله. (تكوين 41: 38)
هذا القول قاله فرعون عن يوسف بعد تفسيره للحلم الذي رآه فرعون، ونلاحظ أن فرعون لم يعتبر يوسف إلهاً ولا أُقنوماً ولا رجلاً يحمل صفات إلهية تجعل منه إلهاً يُعبد من دون الرب، وفرعون كان وثنياً وهو قريب من المعتقدات التي تتحدث عن تعدد الآلهة ومع هذا لم يقل شيئاً من هذا عن يوسف بل قال ان هذا رجلاً فيه روح الإله، فدور الروح هنا هو الإخبار بما سيحدث في المستقبل.
- وكلم الرب موسى قائلاً انظر، قد دعوت بصلئيل بن أُوري بن حور من سبط يهوذا باسمه،
وملأته من روح الإله بالحكمة والفهم والمعرفة وكل صنعة، لاختراع مُخترعات ليعمل في الذهب والفضة والنحاس، ونقش حجارة للترصيع ونجارة الخشب ليعمل في كل صنعة. (خروج 31: 1-5)
هذا النص يشير الى ان من وظائف روح الإله تعليم الناس، وخاصة بصلئيل، بعض الصناعات مثل صياغة الذهب والفضة ونقش الحجارة الثمينة والنجارة، كما علمه صناعة الخيام وخاصة خيمة الاجتماع التي جُعلت مكاناً للعبادة كما هو مذكور في هذا الإصحاح.
- فأنزل أنا وأتكلم معك هناك وآخذ من الروح الذي عليك وأضع عليهم فيحملون معك ثقل الشعب، فلا تحمل أنت وحدك. (عدد 11: 17)
- فنزل الربّ في سحابة وتكلم معه وأخذ من الروح الذي عليه وجعل على السبعين رجلاً الشيوخ،
فلما حلت عليهم الروح تنبأوا ولكنهم لم يزيدوا. (عدد 11: 25)
- وبقي رجلان في المحلة اسم الواحد ألداد واسم الآخر ميداد فحل عليهما الروح، وكانا من المكتوبين ولكنهما لم يخرجا الى الخيمة، فتنبآ في المحلة. (عدد 11: 26)
- فقال له موسى هل تغار أنت لي،
يا ليت كل شعب الرب كانوا أنبياء إذا جعل الرب روحه عليهم. (عدد 11: 29)
في هذه النصوص نقرأ أن الروح لديه القدرة على الانقسام وأن من يحلّ عليه جزء منه يصبح نبياً ويستطيع التنبؤ ونلاحظ قوله ولكنهم لم يزيدوا، أي إن هؤلاء الأنبياء لم يزيدوا عن كونهم أنبياء بعد حلول الروح فيهم.
- فقال الرب لموسى خذ يشوع بن نون رجلاً فيه روح وضع يدك عليه. (عدد 27: 18)
- ويشوع بن نون كان قد امتلأ روح حكمة إذ وضع موسى عليه يديه، فسمع له بنو إسرائيل وعملوا كما أوصى الربُّ موسى. (تثنية 34: 9)
في هذين النصين نقرأ أن امتلاء يشوع بالروح ساعده على حكم بني إسرائيل.
- وصرخ بنو إسرائيل الى الربّ فأقام الربُّ مُخلصاً لبني إسرائيل فخلصهم عثنيئيل بن قناز أخا كالب الأصغر،
فكان عليه روح الرب وقضى لإسرائيل وخرج للحرب فدفع الربُّ ليده كوشان رشعتايم ملك أرام واعتزّت يده على كوشان رشعتايم. (قضاة 3: 9-10)
في هذا النص نقرأ ان حلول روح الرب على إنسان تساعده في تخليص قومه والقضاء بينهم.
فيحل عليك روح الرب فتتنبأ معهم وتتحول الى رجل آخر،
وإذا أتت هذه الآيات عليك فافعل ما وجدته يدك لأن الإله معك،
وتنزل قدّامي الى الجلجال وهوذا أنا أنزل إليك لأُصعد مُحرقات وأذبح ذبائح سلامة سبعة أيام تلبث حتى آتي إليك وأُعلمك ماذا تفعل،
وكان عندما أدار كتفه لكي يذهب من عند صموئيل أن الإله أعطاه قلباً آخر،
وأتت جميع هذه الآيات في ذلك اليوم. (صموئيل الاول 10: 6-9)
في هذا النص نقرأ أن من يحل عليه الروح يصبح رجلاً آخر، ويستطيع أن يتنبأ بأُمور ستقع في المستقبل، وأن وقوع هذه النبوءات كما تنبأ يدل على أن الرب معه.
- ولما جاءوا الى هناك الى جبعة إذا بزمرة من الأنبياء لقيته فحلّ عليه روح الإله فتنبأ في وسطهم. (صموئيل الاول 10: 10)
في هذا النص، وهو جزء من قصة شاول، نقرأ ان حلول روح الإله على شاول جعل منه نبياً حتى أصبح مثلاً عند بني إسرائيل، فقالوا أشاول أيضاً بين الأنبياء! (صموئيل الاول 10: 13)
- فأخذ صموئيل قرنَ الدّهن ومسحه في وسط إخوته وحلّ روح الرب على داوُد من ذلك اليوم فصاعداً، ثم قام صموئيل وذهب الى الرّامة،
وذهب روح الرب من عند شاول،
وبغته روح رديء من قِبل الرب،
فقال عبيد شاول له هوذا روح رديء من قِبل الإله يبغتك. (صموئيل الاول 16: 13-15)
في هذا النص نقرأ ان روح الرب خرجت من شاول وحلت على داوُد مما جعل النبوة تنتقل من شاول الى داوُد، وهذا ما جعل داوُد نبياً وأصبح يتنبأ كالأنبياء السابقين، ونقرأ له كلماته الأخيرة في النص التالي:
- فهذه هي كلمات داوُد الاخيرة،
وحي داوُد بن يسّى ووحي الرجل القائم في العلا مسيح إله يعقوب ومرنم إسرائيل الحلو،
روح الرب تكلم بي وكلِمَتُه على لساني،
قال إله إسرائيل إليّ تكلمَ صخرة إسرائيل إذا تسلط على الناس بارٌّ يتسلط بخوف الإله. (صموئيل الثاني 23: 1-3)
هذا النص يقول ان داوُد مسيح الرب، وانه يُوحى إليه بروح الرب، وأن روح الرب يتكلم به ويجعل كلماته على لسان داوُد، ثم يبدأ بذكر تلك الكلمات فيقول قال إله إسرائيل ... وهذا يعني أن من وظائف روح الرب نقل كلام الرب للأنبياء من خلال الوحي.
ولأن روح الرب لا يبقى في الإنسان إلا أذا بقي مطيعاً لوصايا الرب نجد أن داوُد يدعو الرب أن لا ينزع منه الروح كما في النص التالي:
- قلبا نقيا أُخلق فيّ يا إله، وروحا مستقيماً جدّد في داخلي،
لا تطرحني من قدّام وجهك، وروحك المقدس لا تنزعه مني. (مزمور 51: 10-11)
ومن وظائف الروح هو هداية المؤمنين في طرقهم، وهذه الطرق قد تكون معنوية أي من خلال تعليمهم لوصايا الرب، أو طرق مادية كما حدث مع بني إسرائيل بعد خروجهم من مصر، إذ كان الروح يهديهم إثناء تنقلهم في سيناء حتى أوصلهم الى الأرض المقدسة كما هو مكتوب في العهد القديم، كما في النص التالي:
- علمني أن أعمل رضاك لأنك أنت إلهي، روحك الصالح يهديني في أرض مستوية. (مزمور 143: 10)
كما أن من وظائف الروح نقل وعد الرب بالنصر عن طريق الأنبياء كما في النص التالي:
- وإن يحزئيل بن زكريا بن بنايا بن يعيئيل بن متنيا اللاوي من بني آساف كان عليه روح الرب في وسط الجماعة،
فقال اصغوا يا جميع يهوذا وسكان أُورشليم وأيها الملك يهوشافاط فقال،
هكذا قال الرب لكم لا تخافوا ولا ترتاعوا بسبب هذا الجمهور الكثير لان الحرب ليست لكم بل للإله،
غداً انزلوا عليهم هوذا هم صاعدون في عقبة صيص فتجدوهم في أقصى الوادي أمام برّيّة يروئيل،
ليس عليكم أن تحاربوا في هذه قفوا اثبتوا وانظروا خلاص الرب معكم يا يهوذا وأُورشليم لا تخافوا ولا ترتاعوا، غداً اخرجوا للقائهم والرب معكم. (الايام الثاني 20: 14-17)
في هذا النص نقرأ أن الروح نقل وعد الرب الى بني إسرائيل بالنصر الذي سيحققونه على الأعداء، لأن الرب معهم، ولأن تلك الحرب ليست لهم بل للرب، وهو ما تحقق كما هو مكتوب في السِفر.
ومن وظائف الروح تشجيع الأنبياء على الدعوة للالتزام بوصايا الرب وأن من يخالفها سيلحق به الفشل والعقاب، كما في النص التالي:
ولبس روح الإله زكريا بن يهوياداع الكاهن،
فوقف فوق الشعب وقال لهم هكذا يقول الإله لماذا تتعدون وصايا الرب فلا تفلحون،
لأنكم تركتم الرب قد ترككم،
ففتنوا عليه ورجموه بحجارة بأمر الملك في دار بيت الرب،
ولم يذكر يوآش الملك المعروف الذي عمله يهوياداع أبوه معه بل قتل ابنه،
وعند موته قال الرب ينظر ويُطالب. (الايام الثاني 24: 20-22)
في هذا النص نقرأ أن روح الإله عندما يلبس أحداً أو يحل على أحد فإنما يفعل ذلك لينقل كلام الرب، فروح الإله عندما لبس زكريا بن يهوياداع نقل إليه كلام الرب لليهود، وهذه القصة عكس القصة السابقة، فهنا نقرأ أن الرب توعد بني إسرائيل بتركهم، لأنهم تعدوا وصايا الرب وتركوا عبادته.
ويتكرر هذا الأمر في سِفر نحميا ولكن بشكل عام كما في النص التالي:
فاحتملتهم سنين كثيرة وأشهدت عليهم بروحك عن يد أنبيائك فلم يصغوا فدفعتهم ليد شعوب الأراضي. (نحميا 9: 30)
فالروح يشهد على الشعوب بنقل أوامر الرب ووصاياه عن طريق الأنبياء، ومن لا يلتزم بها تلحق به العقوبات المقررة من الرب.
كما أن الربّ يُعطي الروح لتعليم الناس أوامره عن طريق الأنبياء كما في النص التالي:
- وأعطيتهم روحك الصالح لتعليمهم، ولم تمنع منّك عن أفواههم وأعطيتهم ماء لِعَطشِهم. (نحميا 9: 20)
في هذا النص نقرأ أن الرب أعطى بني اسرائيل الروح الصالح لتعليمهم الوصايا، والوصايا لم يتلقاها سوى موسى فوظيفة الروح هي تعليم الناس عن طريق نقل وصايا الرب لهم عن طريق الأنبياء.
وحلّ عليّ روح الرب وقال لي قل، هكذا قال الربّ، هكذا قلتم يا بيت إسرائيل وما يخطر ببالكم قد عَلِمته. (حزقيال 11: 5)
في هذا النص نقرأ أن روح الرب عندما حلّ على حزقيال لم يمتزج به بل كان مستقلاً عنه بحيث كان حزقيال يشعر به وكان يسمع كلامه، ولهذا عندما بدأ يتكلم قال له قل.
فدخل فيّ روح لما تكلم معي وأقامني على قدميّ فسمعتُ المتكلم معي. (حزقيال 2: 2)
في هذا النص نقرأ أن روح الرب عندما يتكلم مع الأنبياء فإنه يدخل فيهم.
وخلاصة القول أن من يحل فيه روح الإله يصبح لديه القدرة على التنبؤ وهو ما عبّر عنه في النص التالي:
- ويكون بعد ذلك أني أسكب روحي على كل بشر فيتنبأ بنوكم وبناتكم ويحلم شيوخكم أحلاماً ويرى شبابكم رؤى، وعلى العبيد أيضاً وعلى الإماء أسكب روحي في تلك الأيام. (يوئيل 2: 28-29)
ولكن هل هذه هي وظائف روح الإله فقط؟
يتحدث العهد القديم عن وظيفة أُخرى للروح وهي قدرته على التحول الى روح كذب للأنبياء الكذبة، كما في النصين التاليين:
- وقال فاسمع إذاً كلام الربّ،
قد رأيت الرب جالساً على كرسيه وكل جند السماء وقوف لديه، عن يمينه وعن يساره،
فقال الرب من يغوي أخآب فيصعد ويسقط في راموت جلعاد،
فقال هذا هكذا وقال ذاك هكذا،
ثم خرج الروح ووقف أمام الرب وقال أنا أُغويه،
وقال له الرب بماذا،
فقال أخرج وأكون روح كذب في أفواه جميع أنبيائه،
فقال إنك تغويه وتقدر، فاخرج وافعل هكذا،
والآن هوذا قد جعل الرب روح كذب في أفواه جميع أنبيائك هؤلاء والربّ تكلم عليك بشرٍّ. (الملوك الاول 22: 19-23)
- وقال فاسمع إذاً كلام الرب،
قد رأيت الرب جالساً على كرسيه وكل جند السماء وقوفٌ عن يمينه وعن يساره،
فقال الرب من يُغوي أخآب ملك إسرائيل فيصعد ويسقط في راموت جلعاد،
فقال هذا هكذا وقال ذاك هكذا،
ثم خرج الروح ووقف أمام الرب وقال أنا أُغويه فقال له الرب بماذا،
فقال أخرج وأكون لروح كذب في أفواه جميع أنبيائه،
فقال الرب إنك تغويه وتقدر، فاخرج وافعل هكذا،
والآن هوذا قد جعل الرب روح كذب في أفواه جميع أنبيائك هؤلاء،
والرب تكلم عليك بشر. (الايام الثاني 18: 18-22)
في هذين النصين نقرأ أن روح الإله من جند السماء وأنه يتحول الى روح كذب في أفواه الأنبياء الكذبة ويخبرهم بأُمور كاذبة أو خاطئة، وهذا من الأدلة القوية على أن الروح لا علاقة له بالربّ سوى أنه من جند السماء ومخلوق من المخلوقات، بخلاف ما تقوله الكنائس عنه من أنه الإله الثالث من الآلهة الثلاث الذين هم واحد والتي تعبدها، وهنا لا بد من وقفة مع بعض المعلومات في الأناجيل لنرى إن كان الروح الذي مع كتبتها هو روح الإله الصادق، أو روح كذب، أو أنه لم يكن معهم روح أصلاً وانما كانوا يكتبون من أنفسهم!
- فيلبس وجد نثنائيل وقال له وجدنا الذي كتب عنه موسى في الناموس والأنبياء يسوع ابن يوسف الذي من الناصرة. (يوحنا 1: 45)
في هذا النص يقول يوحنا في إنجيله أنه مكتوب في العهد القديم أن يسوع ابن يوسف الذي من الناصرة! والكنائس المختلفة كلها تعلم أن هذا النص ليس مكتوباً في العهد القديم، كما أن يسوع ليس ابن يوسف النجار كما تقول الكنائس، فهل هذا القول صادر عن روح الإله الصادق أو روح كذب!
- وأتى وسكن في مدينة يقال لها ناصرة،
لكي يتم ما قيل بالأنبياء انه سيدعى ناصريا. (متّى 2: 23)
وهذا النص كذلك لا يوجد في أي سفر من أسفار العهد القديم، فهل هذا النص كُتِبَ بروح الإله أم بشيء آخر؟
- حينئذ لمّا رأى يهوذا الذي أسلمه أنه قد دِينَ،
ندم وردّ الثلاثين من الفضة الى رؤساء الكهنة والشيوخ، قائلا قد أخطأت إذ سلّمتُ دماً بريئاً،
فقالوا ماذا علينا، أنت أبصر،
فطرح الفضة في الهيكل وانصرف، ثم مضى وخنق نفسه،
فأخذ رؤساء الكهنة الفضة وقالوا لا يحلّ أن نلقيها في الخزانة لأنها ثمن دم، فتشاوروا واشتروا بها حقل الفخاريّ مقبرة للغرباء،
لهذا سُمِّي ذلك الحقل حقل الدم إلى هذا اليوم،
حينئذ تمّ ما قيل بإرميا النبي القائل وأخذوا الثلاثين من الفضة ثمن المثمن الذي ثمنوه من بني إسرائيل وأعطوها عن حقل الفخاري كما أمرني الرب. (متّى 27: 3-10)
في هذا النص يقول متّى ان قصة الثلاثين من الفضة مكتوبة في سِفر إرميا، مع أن هذا النص مكتوب في سِفر زكريا كما في النص التالي:
- فقلت لهم إن حسن في أعينكم فأعطوني أُجرتي، وإلا فامتنعوا،
فوزنوا أُجرتي ثلاثين من الفضة. (زكريا 11: 12)
فهذا الخطأ وعدم التمييز بين كتاب إرميا وكتاب زكريا هل كان مصدره روح الإله الصادق أم روح رديء أم من مصدر آخر لا علاقة له بالأرواح؟!
- لكي يأتي عليكم كل دم زكي سُفِكَ على الأرض من دم هابيل الصديق إلى دم زكريا بن برخيا الذي قتلتموه بين الهيكل والمذبح،
الحق أقول لكم إن هذا كله يأتي على هذا الجيل. (متّى 23: 35-36)
في هذا النص يقول متّى أن الذي قتله اليهود بين الهيكل والمذبح هو زكريا بن برخيا في حين أن العهد القديم يقول ان الذي قتله اليهود هو زكريا بن يهوياداع كما في النص التالي:
- ولبس روح الإله زكريا بن يهوياداع الكاهن،
فوقف فوق الشعب وقال لهم هكذا يقول الإله لماذا تتعدون وصايا الرب فلا تفلحون،
لأنكم تركتم الرب قد ترككم،
ففتنوا عليه ورجموه بحجارة بأمر الملك في دار بيت الرب،
ولم يذكر يوآش الملك المعروف الذي عمله يهوياداع أبوه معه بل قتل ابنه،
وعند موته قال الرب ينظر ويطالب. (الأيام الثاني 24: 20-22)
فعدم تمييز متّى بين زكريا بن يهوياداع الذي قتله اليهود وزكريا بن برخيا النبي هل هو من روح الإله أم من روح رديء؟!
- واجتاز في السبت بين الزروع، فابتدأ تلاميذه يقطفون السنابل وهم سائرون،
فقال له الفريسيون انظر، لماذا يفعلون في السبت ما لا يحل،
فقال لهم أما قرأتم قط ما فعله داوُد حين احتاج وجاع هو والذين معه، كيف دخل بيت الإله في أيام أبيأثار رئيس الكهنة وأكل خبز التقدمة الذي لا يحلّ أكله الا للكهنة وأعطى الذين كانوا معه أيضاً.
(مرقس 2: 23-28)
في هذا النص يقول مرقس أن داوُد دخل الى بيت الرب في أيام رئيس الكهنة أبيأثار وكان معه مجموعة من الناس، والعهد القديم يقول أن داوُد ذهب الى أخيمالك وليس أبيأثار وأنه كان وحده ولم يكن معه أحد! كما في النص التالي:
- فجاء داوُد الى نوب الى أخيمالك الكاهن،
فاضطرب أخيمالك عند لقاء داوُد وقال له لماذا أنت وحدك وليس معك أحد. (صموئيل الاول 21: 1)
فهذا الخطأ في اسم الكاهن الذي كتبه مرقس وأنه كان مع داوُد مجموعة من الناس هل هو من روح الإله أم من روح رديء؟!
- فأرسل يوسف واستدعى أباه يعقوب وجميع عشيرته خمسة وسبعين نفساً. (أعمال الرسل 7: 14)
في هذا النص يقول لوقا كاتب أعمال الرسل إن الذين دخلوا الى مصر كانوا خمسة وسبعين نفساً، في حين أن العهد القديم يقول ان الداخلين الى مصر كانوا سبعين شخصاً، وهم معروفون بأسمائهم، كما في النص التالي:
- جميع النفوس ليعقوب التي أتت إلى مصر الخارجة من صلبه ما عدا نساء بني يعقوب جميع النفوس ست وستون نفساً،
وابنا يوسف اللذين ولدا له في مصر نفسان،
جميع نفوس بيت يعقوب التي جاءت إلى مصر سبعون. (تكوين 46: 26-27)
فهذا الخطأ في تحديد عدد الداخلين من بني إسرائيل الى مصر هل هو من روح الإله أم من روح رديء؟!
من هذه الأمثلة وغيرها الكثير مما هو مكتوب في الأناجيل نستطيع أن نأخذ فكرة جيدة عن الفرق بين روح الإله والروح الذي تقول عنه الكنائس أنه كان يسوق كتبة الأناجيل عند كتابتهم لها! وهو ما يدعو للبحث بكل جدية عن المصادر التي اعتمد عليها كتبة الأناجيل لكتابتها.
وأما ما استحدثته المجامع الكنسية باعتبار الروح إلهاً يُعبد مع الرب أو دونه، فكل فقرة في العهد القديم ترفض هذا القول، وقيام الروح ببعض الوظائف ومنها بث الحياة في بعض الأشياء والمخلوقات، إنما هو بأمر من الرب خالق السموات والأرض وليس من خصائصه الذاتية التي تجعل منه إلهاً يُعبد من دون الرب خالق السموات والأرض، كما بينت ذلك سابقاً.