السبت، 18 سبتمبر، 2010

مصدر قصة ذهاب يسوع الى مصر وتناقضاتها

3- نص عن ذهاب يسوع إلى مصر
- وبعدما انصرفوا (أي المجوس الذين جاءوا يبحثون عن ملك اليهود) اذا ملاك الرب قد ظهر ليوسف في حلم قائلاً قم وخذ الصبي وأمه واهرب إلى مصر وكن هناك حتى أقول لك,
لان هيرودس مزمع ان يطلب الصبي ليهلكه,
فقام واخذ الصبي وأمه ليلاً وانصرف إلى مصر,
وكان هناك إلى وفاة هيرودس,
لكي يتم ما قيل بالنبي القائل من مصر دعوت ابني. (متّى2/14-15)
إن قارئ الأناجيل يستغرب أشد الاستغراب من كثرة الاستشهاد بنصوص العهد القديم لإثبات صفة يسوع كإله وابن إله وأحد الأقانيم الثلاثة الذين هم واحد ومن نفس الجوهر كما تقول الكنائس المختلفة, فهذه الصفة لو كانت حقاً لا تكون بحاجة لأي شهادة من احد, فهو أكثر من شاهد على صفته واكبر من ان يستشهد بآخرين على صفته تلك, لو كانت تلك الصفة صحيحة!
ولكن القارئ سيزداد استغراباً وتعجباً وحيرة عندما يقرأ تلك النصوص كاملة من أسفار العهد القديم وهو يرى ان ما اقتطع منها لإثبات تلك الصفة ليسوع تتضارب مع كل حقائق الواقع والتاريخ المعلوم عن بني إسرائيل, فكما ظهر ذلك في النصين السابقين كذلك الأمر في هذا النص, فبمجرد أن قرأ متًى قول هوشع من مصر دعوت ابني نسي كل ما يتحدث عنه هوشع واقتطع تلك الجملة ووضعها في انجيله في سياق قصصي وكيفية ذهابه الى مصر للتدليل على ان يسوع جاء ذكره في العهد القديم, مع أن هذه القصة تتناقض مع انجيل لوقا الذي لم يتحدث عن ذهاب يسوع الى مصر بل قال انه بقي في الارض المقدسة وكان يذهب كل عام الى أُورشليم أثناء فترة الأعياد! وسأذكر نص هوشع كاملاً حتى يتبين لنا ان كان المقصود به يسوع ام انه يتحدث عن أمور سابقة لميلاد يسوع بمئات السنين, وانه لا علاقة ليسوع بها من قريب ولا بعيد, وهو كما يلي:
- لما كان إسرائيل غلاما أحببته ومن مصر دعوت ابني,
كل ما دعوهم ذهبوا من أمامهم يذبحون للبعليم,
ويبخرون للتماثيل المنحوتة,
وإنا درّجت أفرايم ممسكاً إياهم بأذرعهم فلم يعرفوا إني شفيتهم,
كنت اجذبهم بحبال البشر برُبَط المحبة,
وكنت لهم كمن يرفع النير عن أعناقهم ومددت إليه مطعماً إياه,
لا يرجع إلى ارض مصر بل أشور هو ملكه,
لأنهم أبوا أن يرجعوا يثور السيف في مدنهم ويتلف عصيها ويأكلهم من اجل آرائهم,
وشعبي جانحون إلى الارتداد عني فيدعونهم الى العلي ولا احد يرفعه,
كيف أجعلك يا أفرايم, كيف أصيرك يا إسرائيل, كيف أجعلك كأدمة,
أصنعك كصبوييم,
قد انقلب عليّ قلبي, اضطرمت مراحمي جميعاً,
لا اجري حموّ غضبي لا أعود أخرب أفرايم,
لأني الإله لا إنسان,
القدوس في وسطك فلا آتي بسخط,
وراء الرب يمشون كأسد يزمجر,
فانه يزمجر فيسرع البنون من البحر,
يسرعون كعصفور من مصر,
وكحمامة من ارض أشور,
فأسكنهم في بيوتهم يقول الرب,
قد أحاط بي أفرايم بالكذب,
وبيت إسرائيل بالمكر,
ولم يزل يهوذا شارداً عن الإله وعن القدوس الأمين. (هوشع11/1-12)
في هذا النص يقول الرب ان اسرائيل لما كان غلاماً أحبه ومن مصر دعا ابنه, وهذه الصيغة (ابني) يستعملها كتبة العهد القديم للدلالة على بني إسرائيل وحب الرب لهم, وأحياناً يستعملونها للدلالة على شخص بعينه, وفيما يلي بعض النصوص التي تتحدث عن بعض الناس أنهم أبناء الرب, مع أن اليهود والكنائس المختلفة لا يقولون عنهم إنهم أبناء بالمعنى الذي تقوله الأناجيل والكنائس عن يسوع.
- فتقول لفرعون هكذا يقول الرب إسرائيل ابني البكر,
فقلت لك أطلق ابني ليعبدني,
فأبيتَ أن تطلقه, هاأنا أقتل ابنك البكر. (خروج4/22-23)
- لأني صرت لإسرائيل أباً وأفرايم هو بكري. (ارميا31/9)
- قدموا للرب يا أبناء الرب قدموا للرب مجداً وعزاً,
قدموا للرب مجد اسمه, اسجدوا للرب في زينة مقدسة,
ويجلس الرب ملكاً الى الابد,
الرب يعطي عزاً لشعبه,
الرب يبارك شعبه بالسلام. (مزامير29/1-11)
- أبو اليتامى وقاضي الأرامل في مسكن قُدسه. (مزامير68/5)
- يا إله الجنود ارجع اطّلع من السماء وانظر وتعهد هذه الكرمة والغرس الذي غرسته يمينك, والابن الذي اخترته لنفسك,
هي محروقة بنار مقطوعة, من انتهار وجهك يبيدون,
لتكن يدك على رجل يمينك وعلى ابن ادم الذي اخترته لنفسك,
فلا نرتد عنك,
أحينا فندعوا باسمك, يا رب الجنود إله الجنود أرجعنا,
أنِر بوجهك فنخلص. (مزامير80/14-19)
- لأنه من في السماء يعادل الرب,
من يشبه الرب بين أبناء الرب,
إله مهوب جداً في مؤامرة القديسين ومخوف عند جميع الذين حوله, . . . .
حينئذ كلّمت برؤيا تَقِيّكَ وقلت جعلتُ عوناً على قويّ,
رفعت مختاراً من بين الشعب,
وجدت داؤد عبدي, بدهن قدسي مسحته,
الذي تثبت يدي معه, أيضاً ذراعي تشدده,. . . .
- هو يدعوني أبي أنت,
إلهي وصخرة خلاصي,
أنا أيضا اجعله بكراً اعلي من ملوك الأرض. (مزامير89/6-27)
- ربيت بنين ونشأتهم,أما هم فعصوا عليّ. (إشعياء1/2)
- أنتم أولاد للرب إلهكم لا تخمشوا أجسامكم. (تثنية14/1)
- إنهم جيل متقلب أولاد لا أمانة فيهم. (تثنية32/20)
- ويكون عوضاً عن أن يقال لهم لستم شعبي,
يقال لهم أبناء الاله الحي. (هوشع1/10)
- ألست من الآن تدعينني يا أبي أليف صباي أنت. (إرميا3/4)
- ارجعوا أيها البنون العصاة يقول الرب. (إرميا3/14)
- وقلتُ تدعينني يا أبي ومن ورائي لا ترجعين. (إرميا3/19)
- ارجعوا أيها البنون العصاة فأشفي عصيانكم. (إرميا3/22)
- إياي لم يعرفوا هم بنون جاهلون وهم غير فاهمين, هم حكماء في عمل الشر, ولعمل الصالح ما يفهمون. (إرميا4/22)
هذه بعض النصوص التي تقول ان الرب صار أباً لبني اسرائيل وان أفرايم بكره وانه أبو اليتامى وان داؤد يدعوه أبي, وهذه النصوص لا تعني البنوة أو الأُبوة العضوية التي تصف بها الأناجيل والكنائس يسوع, فهو يصفهم بالعصيان والجهل وعدم الأمانة وهذه ليست من صفات الإله الحق خالق السموات والأرض, فكتابة أقوال عن بعض الناس أنهم أبناء للرب لا تعني أنهم كذلك من الناحية العضوية, لأن هذا الأمر يتناقض مع العهد القديم الذي قام على وحدانية الخالق وعدم مشابهة المخلوقات له أو مساواته, كما نلاحظ أيضاً ان نص هوشع يتحدث عن قيام اليهود بعبادة غير الرب وذلك بقوله أنهم يذبحون للبعليم وهو احد الأصنام التي كانت شعوب الأرض المقدسة تعبدها من دون الرب ولم تخبرنا الأناجيل ان اليهود كانوا في زمن يسوع يذبحون للبعليم ولا ان البعليم كان موجوداً في ذلك الوقت!
وأما استنكار الرب على بني اسرائيل ان يبخّروا للتماثيل المنحوتة فهذا أتركه للقارئ ليتأمل فيه ويقارنه بما تقوم به الكنائس من تبخير للتماثيل والصور التي نحتوها ورسموها بأيديهم وقالوا أنها ليسوع ولأُمه ولغيرهما, وهل هذا الفعل موافقاً لشريعة الرب أم لا؟
ثم يُكمل هوشع نصه بالحديث عن عصيان أفرايم لأوامر الرب مع كل ما فعله الرب من أجلهم, مع انه قال عنه في نص سابق انه بكره مما يعني ان مصطلحي ابن الرب وبكر الرب ليس معناهما كما فهمه كتبة العهد الجديد والكنائس, ويقول انه يجب ان لا يرجعوا الى ارض مصر بل آشور ملكه ولأنهم رفضوا الرجوع الى أشور بل ذهبوا الى مصر يثور السيف في مدنهم ويدمرهم ويسبيهم الى أشور رغماً عنهم وهو ما حدث فعلاً كما تخبر أسفار العهد القديم, وهذه الفقرات بالتأكيد لا تتحدث عن يسوع ولا عن زمانه, لان أشور انتهت واندثرت قبل مئات السنين من ولادته, فهو ولد في الوقت الذي كانت فيه الأرض المقدسة تحت سيطرة الرومان.
ثم يقول النص ان بني اسرائيل جانحون للارتداد عن شريعة الرب, إلا انه في نهاية الأمر يرفع الرب غضبه عنهم ولا يعود يخرب إسرائيل ولا يسخط عليهم, وان اليهود بعد ذلك يمشون وراء الرب كأسد يزمجر فيسرع البنون بالعودة من البحر ويعودون من مصر كالعصافير ومن أرض أشور كالحمام فيسكنهم الرب في بيوتهم, ولم تكتب الأناجيل ان اليهود مشوا وراء يسوع كالأسود ولا أنهم جاءوا من البحر لإتباعه ولا أسرعوا بالمجيء من مصر كالعصافير, ولا أنهم جاءوا كالحمام من أشور لإتباع يسوع, لأن أشور كانت قد انتهت قبل يسوع بدهور, وكذلك الحال لم تكتب الاناجيل ان يسوع أسكن بني اسرائيل في بيوتهم, لو كان النص من مصر دعوت ابني يقصد يسوع!
وباقي النص فيه صفة اليهود بكل أسباطهم, قد أحاط بي أفرايم بالكذب, وبيت إسرائيل بالمكر, ولم يزل يهوذا شاردا عن الإله وعن القدوس الأمين.
فأين هي العلاقة بين نص هوشع الذي يتحدث عن بني إسرائيل قبل السبي ويسوع الذي ولد بعد موت هوشع بمئات السنين وكان اليهود تحت حكم الرومان؟
وأخيراً فإن استشهاد متّى بهذه الفقرة للقول أن يسوع ذهب الى مصر أوقعه في تناقض مع لوقا الذي لم يتحدث عن ذهاب يسوع الى مصر, بل قال انه بقي في الارض المقدسة وأنه بعد أربعين يوماً ذهب به والداه الى أُورشليم وقدما عنه ذبيحة, وأنه كان يذهب معهما كل سنة الى أُورشليم حتى بلغ الثانية عشرة سنة من عمره كما هو مكتوب في انجيل لوقا!
من هذه القراءة لنص هوشع الذي اقتطع منه متّى فقرة وحيدة وخالف لوقا فيما كتبه عن طفولة يسوع أجد ان قانون لا تقبل خبراً كاذباً ينطبق على قصة متّى.

0 التعليقات:

إرسال تعليق