الخميس، 16 سبتمبر، 2010

مصدر قول الأناجيل ان يوحنا المعمدان هو إيليا

13- نص عن يوحنا أنه إيليا
في القسم السابق قرأنا وصف كتبة الاناجيل ليوحنا أنه ملاك وصوت صارخ في البرية وكيف أنهم استشهدوا على ذلك بنصوص من العهد القديم وفيما يلي سوف نقرأ الصفة الثالثة ليوحنا وهي أنه إيليا النبي! كما في النصوص التالية:
- ومن أيام يوحنا المعمدان الى الآن مملكة السماء تغتصَب والغاصبون يختطفونها, لان جميع الأنبياء والناموس الى يوحنا تنبأوا,
وان أردتم أن تقبلوا فهذا هو إيليا المزمع أن يأتي,
من له أُذنان للسمع فليسمع. (متّى11/13-15)
- وسأله تلاميذه قائلين فلماذا يقول الكتبة إن إيليا ينبغي أن يأتي أولاً, فأجاب يسوع وقال لهم إن إيليا يأتي أولاً ويردّ كل شيء,
ولكني أقول لكم إن إيليا قد جاء ولم يعرفوه بل عملوا به كل ما أرادوا, كذلك ابن الانسان أيضا سوف يتألم منهم,
حينئذ فهم التلاميذ انه قال لهم عن يوحنا المعمدان. (متّى17/10-13)
- فأجاب وقال لهم إن إيليا يأتي أولاً ويرد كل شيء,
وكيف هو مكتوب عن ابن الانسان ان يتألم كثيراً ويرذل,
لكن أقول لكم إن إيليا أيضا قد أتى وعملوا به كل ما أرادوا كما هو مكتوب عنه. (مرقس9/12-13)
في هذه النصوص يقول متّى ومرقس أن يوحنا المعمدان هو إيليا وهذه الصفة أعظم وأصعب في تقبلها من وصفه بأنه ملاك أو صوت صارخ, اللتان ظهر بطلانهما, لان صفة ملاك قد يجد لها الانسان مخرجاً كأن يقول انه ملاك بصفاته وأفعاله, مع أن هذه الصفة مقتبسة من سفر ملاخي أيضاً كما سبق وبينته! وكذلك الحال بالنسبة للصوت الصارخ, وأما أن يوصف بأنه رجل خلق قبل مئات السنين فهذا ما لن يصدقه إنسان!
وأنا أتساءل لو أن أحدا قال لأُم يوحنا المعمدان أن الجنين الذي في بطنها هو في الحقيقة رجل عمره مئات السنين ماذا سيكون موقفها منه؟!
ولكن ما هو رأي يوحنا المعمدان نفسه في هذه الصفة, هل قال عن نفسه انه إيليا أم لا؟
لنقرأ النص التالي ثم نكمل المناقشة.
- وهذه شهادة يوحنا حين أرسل اليهود من أورشليم كهنة ولاويين ليسألوه من أنت,
فاعترف ولم ينكر واقرّ أني لست المسيح,
فسألوه إذاً ماذا أنت,
إيليا أنت,
فقال لست أنا,
النبي أنت, فأجاب لا,
فقالوا له من أنت لنعطي جواباً للذين أرسلونا,
ماذا تقول عن نفسك,
قال أنا صوت صارخ في البرية قوّموا طريق الرب كما قال إشعياء النبي. (يوحنا1/19-23)
في هذا النص يكتب يوحنا في إنجيله ان يوحنا المعمدان قال لليهود انه ليس إيليا!
فمن نصدق متّى ومرقس اللذان يقولان على لسان يسوع ان يوحنا المعمدان هو إيليا أم يوحنا كاتب الانجيل الذي كتب على لسان يوحنا المعمدان قوله انه ليس إيليا؟
هل نقول إن ما جاء في انجيلي متّى ومرقس هو الصحيح وان ما جاء في انجيل يوحنا هو الخطأ, أم نقول إن ما كتبه يوحنا هو الصحيح وما كتبه متّى ومرقس هو الخطأ؟
أي القولين ستختار الكنائس فإنها ستثبت أن في الاناجيل قصصاً وفقرات متناقضة وغير صحيحة ولا يمكن التوفيق بينها, مما يشير الى أن كتابة الاناجيل كانت بعيدة عن الوحي أو السوق من الروح المقدس, وان الاقتباس من نصوص العهد القديم إنما هو محاولة لربط الاناجيل به, والقول أنهما من مصدر واحد لإضفاء حالة من القداسة على الاناجيل.
وأنا أكاد اجزم أن السبب في قولهما عن يوحنا انه إيليا هو قراءتهما لما هو مذكور في سفر ملاخي الإصحاح الرابع وهو كما يلي:
- اذكروا شريعة موسى عبدي التي أمرته بها في حوريب على كل إسرائيل, الفرائض والأحكام,
هاأنذا أرسل إليكم إيليا النبي قبل مجيء يوم الرب اليوم العظيم والمخوف,
فيرد قلب الآباء على الأبناء,
وقلب الأبناء على آبائهم,
لئلا أتي واضرب الارض بلعن. (ملاخي4/5-6)
هذا النصّ هو من أوقع متّى ومرقس في الخطأ, وذلك لعدم فهمهما, أو تجاهلهما, لتاريخ النصّ ومضمونه اللغوي, ولإصرارهما على السعي بكل الوسائل للحصول على إشارات من العهد القديم تخدم غرضهما من تأليف إنجيليهما.
فهذا النصّ لو وضع في مساره التاريخي ومضمونه اللغوي وما يحتويه من دعوة للالتزام بعبادة الرب وحده والعمل بالشريعة وأحكامها وفرائضها لتبين انه إشارة لإرسال إيليا الى بني اسرائيل أول مرة, بعيداً عن الأساطير التي قيلت عنه, هكذا بكل بساطة, أي إن هذا القول قيل قبل إرسال إيليا وكان هذا القول إعلان لإرساله لبني اسرائيل في زمانه, وما يدل على صحة هذا القول هو النص التالي:
- وكان عند اصعاد التقدمة ان إيليا النبي تقدم وقال,
أيها الرب اله إبراهيم واسحق وإسرائيل ليعلم اليوم انك أنت الرب في إسرائيل وأني أنا عبدك وبأمرك قد فعلت كل هذه الأمور,
استجبني يا رب, استجبني ليعلم هذا الشعب انك أنت الرب الإله وانك حوّلت قلوبهم رجوعاً. (الملوك الاول18/36-37)
ففي هذا النص نقرأ شكر إيليا للرب لأنه حول قلوب بني اسرائيل رجوعاً إليه والى الشريعة وهو ما تنبأ به النص المذكور في ملاخي, فجهل متّى ومرقس بالعهد القديم, ونظراً لأن سِفر ملاخي آخر الأسفار كتابة في العهد القديم جعلهما يكتبان تلك النصوص على أساس أنها تتحدث عن عودة ثانية لإيليا, وليتهما اكتفيا بهذا بل قالا إنها تتحدث عن يوحنا المعمدان مع أنها تتناقض مع ما كتبه يوحنا في إنجيله على لسان يوحنا المعمدان نفسه من أنه ليس إيليا! ففهم كتبة الاناجيل لنصوص العهد القديم وصياغتها في إطار قصصي في أناجيلهم هي التي تسببت في كل الاخطاء والتناقضات فيما بينهم, وهذا يظهر بوضوح فيما كتبه لوقا عن يوحنا المعمدان وعلاقته بإيليا كما في النص التالي:
- فقال له الملاك لا تخف يا زكريا لان طلبتك قد سُمعت وامرأتك اليصابات ستلد لك ابناً وتسميه يوحنا,
ويكون لك فرح وابتهاج وكثيرون سيفرحون بولادته,
لأنه يكون عظيماً أمام الرب وخمراً ومسكراً لا يشرب,
ومن بطن أمه يمتلئ من الروح المقدس,
ويرد كثيرين من بني اسرائيل الى الرب إلههم,
ويتقدم أمامه بروح إيليا,
ليرد قلوب الآباء الى الأبناء والعصاة الى فكر الأبرار لكي يهيئ للرب شعباً مستعداً. (لوقا1/13-18)
كما نقرأ فإن لوقا كتب أن يوحنا المعمدان سيردّ كثيرين من بني اسرائيل الى الرب إلههم, ويرد قلوب الآباء الى الأبناء والعصاة الى فكر الأبرار لكي يهيئ للرب شعباً مستعداً وهذا الكلام هو نفس كلام ملاخي عن إيليا ولكن لوقا كتبه على أنه نبوءة من ملاك الرب عن يوحنا, ولم يكتب أن يوحنا هو إيليا بل قال انه سيتقدم بروح إيليا! وهذه النبوءة غير متحققة في يوحنا المعمدان إذا كان المقصود به يسوع كما سبق شرحه, وعدم تحققها يدل على ان قوله السابق ليس وحياً بل هو مقتبس من قصص العهد القديم, فمن أين اقتبس لوقا فكرة تقدم يوحنا بروح إيليا؟
- ولما رآه بنو الأنبياء الذين في أريحا قبالته قالوا قد استقرت روح إيليا على أليشع,
فجاءوا للقائه وسجدوا له الى الارض. (الملوك الثاني2/15)
في هذا النص نقرأ أن روح إيليا استقرت على أليشع, وقراءة لوقا لهذا النص جعله يظن أن روح إيليا هي خاصة به, متجاهلاً أن الروح التي كانت مع الأنبياء كانت مستقلة عنهم, كما بينت ذلك سابقاً, لهذا كتب أن يوحنا سيتقدم بروح إيليا أمام يسوع! والذي ظهر لنا مما سبق شرحه أن يوحنا لم يتقدم أمام يسوع بروح إيليا ولا بروحه الشخصي!
وهذا كله يدل على أن كتبة الاناجيل لم يكتبوا هذه القصص بأي طريق من طرق الوحي المعروفة, لأن الوحي لا يتناقض ولا يكون فيه أخباراً كاذبة.
مما سبق يتبن لنا أن كتبة الأناجيل لم ينجحوا في كتابة تلك المناظرات ولا بالاقتباس من العهد القديم وهذا كله يشير الى أن قانون لا تقبل خبراً كاذباً ينطبق عليها كلها.

0 التعليقات:

إرسال تعليق